الخميس 17 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

إعـــادة رســـم خـريطـــة المــــنطقـة مــن باريــس

دعم مصر مستمر للسودان
دعم مصر مستمر للسودان

أيام قليلة ونتائج عظيمة.. تلك هى محصلة زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى باريس، والتى انتهت مساء الأربعاء. وعبر لقاءات ومشاورات وإجراءات اتخذها الرئيس السيسى يمكن القول أن خريطة جديدة أعاد رسمها رأس الدولة المصرية للمنطقة من باريس، ويبرُز بالقلب منها دور مصري عالمي لا تخطئه عين.



وإذا كانت وسائل الإعلام العالمية قد احتفت بدور مصر المهم والبارز، وأشادت بالحضور الطاغى للدولة المصرية فى مؤتمرى دعم السودان والاقتصاد الإفريقى،اللذين انعقدا بالعاصمة الفرنسية، فإن مخرجات المؤتمر أكدت دور مصر كشريك أساسى فى تواصل العلاقات الإفريقية- الأوروبية ومحاولاتها وقف إطلاق النار فى غزة ودعمها الكامل للسودان، مع التأكيد على الحقوق التاريخية المصرية فى مياه النيل، وتجديد الدعم المصرى للدول الإفريقية فى التصدى لجائحة كورونا.

 

مبادرة دعم غزة

فى التفاصيل شارك الرئيس السيسى فى قمة ثلاثية بقصر الإليزيه حول تطورات الأوضاع فى الأراضى الفلسطينية مع كل من الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، والملك عبدالله الثانى بن الحسين، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، من أجل بلورة تحرُّك دولى مشترك من قبل الدول الثلاث لوقف العنف ولاحتواء التصعيد الخطير فى الأراضى الفلسطينية الذى أدى إلى تفاقم الوضع الإنسانى والمعيشى داخل قطاع غزة، بالإضافة إلى تداعياته السلبية على السلم والأمن الإقليميين.

وأكد الرئيس على استمرار مصر ببذل قصارى جهدها من أجل وقف التصعيد المتبادل، بتكثيف الاتصالات مع جميع الأطراف الدولية المعنية، ومع الطرفين الفلسطينى والإسرائيلى، مع دعم مصر لكل الجهود الدولية الرامية لإنهاء حالة التوتر الحالية واستعادة الاستقرار والحد من نزيف الدماء والخسائر البشرية والمادية..

وأعلن الرئيس عن تقديم مصر من جانبها مبلغ 500 مليون دولار كمبادرة مصرية تخصص لصالح عملية إعادة الإعمار فى قطاع غزة، مع قيام الشركات المصرية المتخصصة بالاشتراك فى تنفيذ عملية إعادة الإعمار.

وتثمينًا لأواصر العلاقات المصرية- الفرنسية، التقى الرئيس عبدالفتاح السيسى مع الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون الذى أكد تقدير فرنسا لمصر على المستويين الرسمى والشعبى، واعتزازها بالروابط التاريخية التى تجمع بين البلدين الصديقين، والتزام فرنسا بتعزيز مسيرة العلاقات الثنائية المشتركة فى مختلف المجالات، ودعم قدرات وجهود مصر بقيادة الرئيس السيسى لمكافحة الإرهاب والفكر المتطرف ولتحقيق الأمن والاستقرار فى المنطقة بأسرها.

شهد اللقاء التباحث حول عدد من الملفات الإقليمية، لا سيما تطورات الأوضاع فى شرق المتوسط وليبيا وسوريا؛ حيث أكد الرئيس أنه لا سبيل لتسوية تلك الأزمات إلا من خلال الحلول السياسية، بما يحافظ على وحدة أراضيها وسلامة مؤسساتها الوطنية لتوفير الأساس الأمنى لمكافحة التنظيمات الإرهابية ومحاصرة عناصرها للحيلولة دون انتقالهم إلى دول أخرى بالمنطقة.

 

ماكرون يحتفى بالرئيس السيسى لدى وصوله الإليزيه
ماكرون يحتفى بالرئيس السيسى لدى وصوله الإليزيه

 

وأعرب الرئيس «ماكرون» عن تطلع فرنسا لتكثيف التنسيق المشترك مع مصر حول قضايا الشرق الأوسط، وذلك فى ضوء الثقل السياسى المصرى فى محيطها الإقليمى، مشيدًا فى هذا السياق بالجهود التى تبذلها مصر لدعم مساعى التوصُّل إلى حلول سياسية للأزمات القائمة.

كما استعرض الجانبان مستجدات القضية الفلسطينية وسبل إحياء عملية السلام فى ظل التطورات الأخيرة؛ حيث أعرب الرئيس الفرنسى عن تقدير بلاده البالغ تجاه الجهود المصرية ذات الصلة، مبديًا تطلعه لاستمرار التشاور مع مصر فى هذا الخصوص.. وقد أكد الرئيس موقف مصر الثابت بوقف أعمال العنف فى أسرع وقت ممكن، والتوصل إلى حل عادل وشامل يضمن حقوق الشعب الفلسطينى وإقامة دولته المستقلة وفق المرجعيات الدولية.

اللقاء تطرق أيضًا إلى قضية سد النهضة؛ حيث أكد الرئيس تمسُّك مصر بحقوقها المائية من خلال التوصل إلى اتفاق قانونى منصف وملزم يضمن قواعد واضحة لعملية ملء وتشغيل السد، ويحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف، مشددًا على أن مصر لن تقبل بالإضرار بمصالحها المائية.

استقرار السودان

وفى إطار المجهودات المصرية المبذولة لدعم السودان، التقى الرئيس فى باريس مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالى السودانى.

وأشار الرئيس إلى أنه التزامًا من جانب مصر ببذل كل الجهود لمساندة الخطوات التى اتخذتها الحكومة السودانية لتحقيق الاستقرار الاقتصادى والتخلص من ديونه المتراكمة وتخفيف أعبائه التمويلية؛ فإن مصر ستشارك فى المبادرة الدولية لتسوية مديونية السودان من خلال استخدام حصة مصر لدى صندوق النقد الدولى لمواجهة الديون المشكوك بتحصيلها، مؤكدًا استعداد مصر لنقل التجربة المصرية فى الإصلاح الاقتصادى وتدريب الكوادر السودانية.

وقال الرئيس: إن نهر النيل يمكن أن يمثل ركيزة لتعاون أشمل بين دول حوض النيل إذا ما توافرت الإرادة السياسية لدى الجميع؛ بحيث يتم تحقيق التنمية المنشودة دون الإضرار بأى طرف، ومن بينها الشعب السودانى،بما يعزز الاستقرار فى المنطقة..

اقتصاد إفريقيا

وشارك الرئيس السيسى فى فعاليات «قمة دعم الاقتصاديات الإفريقية»، حيث تم التوافق خلال القمة على أهمية بلورة رؤية مشتركة لدعم القارة الإفريقية خلال جائحة كورونا، بما يشمل موارد من القطاع الخاص ومبادرات لتعظيم التمويل الميسر المتاح للقارة من خلال المؤسسات الإنمائية الدولية والمانحين على المستوى الثنائى، مع الإسراع بإنتاج التقنيات الطبية المرتبطة بالجائحة مثل اللقاحات والتحاليل والعمل على توزيعها العادل فى القارة.

 

إشادة دولية من صندوق النقد بالإصلاح الاقتصادى المصرى
إشادة دولية من صندوق النقد بالإصلاح الاقتصادى المصرى

 

وقال الرئيس إن ما استطاعت القارة الإفريقية تحقيقه على صعيد التنمية الاقتصادية يشهد اليوم تراجعًا ملموسًا جراء التداعيات السلبية للجائحة، وهو ما قلص بشكل واضح من مصادر دخل دولها من النقد الأجنبى، وهو ما تسبّب فى ضغوط جمة على حجم السيولة المتاح لإفريقيا، بما ينعكس على قدرتها على التعافى من تبعات الأزمة الراهنة.

وطالب المجتمع الدولى بتوفير الدعم اللازم الذى تحتاج إليه الدول الإفريقية فى ضوء اعتبارات العدالة والتكاتف فى مواجهة الجائحة التى لن يتمكن العالم من تجاوزها دون نفاذ كافة الدول إلى التطعيمات اللازمة لإعادة إطلاق الحياة الاقتصادية.

وأشار الرئيس إلى أن مصر وجدت ذاتها مضطرة إلى التعامل مع الصعوبات المالية المرتبطة بالجائحة فى الوقت الذى تعمل فيه على إنجاح برنامجها الطموح للإصلاح الاقتصادى، والذى يتطلب ضبط الإنفاق الحكومى والسيطرة على عجز الموازنة، إلا أن تطبيق هذا البرنامج منذ وقت مبكر، بالتعاون مع صندوق النقد الدولى،ساهم فى تعزيز مرونة الاقتصاد المصرى، وأتاح للحكومة القدرة على اتخاذ إجراءات فعالة، شملت تطبيق سياسات نقدية ومالية تحفيزية، وإعادة ترتيب أولويات الخطط الاستثمارية والتركيز على القطاعات التى تتسم بالمرونة والقدرة على التعافى السريع.

كما التقى الرئيس السيسى فى باريس مع الرئيس السنغالى «ماكى سال»؛ حيث ناقشا المستجدات الخاصة بعدد من الملفات القارية، خاصةً فى ظل الرئاسة السنغالية المرتقبة للاتحاد الإفريقى عام 2022، حيث تم التوافق حول مواصلة التشاور والتنسيق المشترك بشأن تطورات تلك الملفات، بما فيها دعم العلاقات الإفريقية مع التجمعات الإقليمية المختلفة حول العالم وكذلك مع العالم العربى.

الإصلاح الاقتصادي

وفى مقر إقامته بباريس التقى الرئيس السيسى بكريستالينا جيورجييفا، مدير عام صندوق النقد الدولى؛ حيث أكد الرئيس أن الشعب المصرى كان له الدور الرئيسى فى نجاح جهود الدولة فى تنفيذ عملية الإصلاح، بوعيه وإدراكه لحتمية الإجراءات الإصلاحية التى تم اتخاذها فى هذا الإطار، بما ساهم فى إحراز تقدُّم أكدته المؤشرات الإيجابية للاقتصاد المصرى بشهادة البيانات الرسمية لصندوق النقد الدولى،وتحسن التصنيف الائتمانى لمصر من قبل المؤسسات الدولية المتخصصة، خاصةً خلال جائحة كورونا التى شهدت ركودًا اقتصاديًا على المستوى العالمى بينما سجل الاقتصاد المصرى نموًا ايجابيًا لافتًا خلال تلك الفترة. 

وأشادت «جيورجييفا» بالأداء الاقتصادى المصرى رغم جائحة كورونا، فضلًا عما حققه من مستهدفات اقتصادية وهيكلية فى إطار برنامج الإصلاح الاقتصادى، إلى جانب ما أظهره من قدرة على الصمود واستيعاب التداعيات السلبية الناجمة عن جائحة كورونا، وكونه من أسرع الاقتصادات نموًا على مستوى العالم، أخذًا فى الاعتبار تنفيذ المشروعات الاستثمارية القومية العملاقة، فضلًا عن عودة تنامى قطاع السياحة تدريجيًا..

 

لقاءات ومشاورات رئاسية لم تنقطع طوال زيارة باريس
لقاءات ومشاورات رئاسية لم تنقطع طوال زيارة باريس

 

كما استقبل الرئيس, برونو لومير، وزير الاقتصاد والمالية الفرنسى، واستعرضا محفزات ومميزات الاستثمار المرتبطة بمناخ الأعمال الآخذ فى التطور فى مصر، والفرص الاستثمارية الهائلة أمام قطاع الأعمال الفرنسى فى المشروعات القومية المصرية خاصة فى قطاعات النقل والطاقة ومحطات المياه والصحة، وشدّد الرئيس على أهمية توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا فى جميع المشروعات المشتركة مع الجانب الفرنسى. 

كما استقبل الرئيس، إيريك ترابييه، الرئيس التنفيذى لشركة «داسو» للصناعات الجوية المُصنِعة لطائرات الرافال الحربية.

وأكد الرئيس اعتزاز مصر بالتعاون الممتد والمثمر مع شركة «داسو»، والذى يعكس مدى عمق التعاون الدفاعى بين البلدين الصديقين، خاصةً فى ضوء ما تمثله القطع العسكرية التى تنتجها الشركة الفرنسية من إضافة لقدرات القوات المسلحة المصرية..

وعلى هامش الزيارة التاريخية، التقى الرئيس «أنطونيو كوستا»، رئيس وزراء البرتغال، حيث أعرب عن تطلع مصر لمواصلة الارتقاء بالعلاقات الثنائية مع البرتغال وتفعيل أطر التعاون المشترك على جميع المستويات. كما أشاد الرئيس بالرئاسة البرتغالية الحالية للاتحاد الأوروبى،وجهودها فى دعم القضايا الإفريقية.