السبت 23 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
لماذا عرض هؤلاء الوطن للبيع فى الهايبر ماركت؟

حول هؤلاء الإسلام إلى أيدولوجيا.. فجموده وعلبوه ورفضوا تقبل الآخر ولجأوا للذبح والقتل على الهوية

لماذا عرض هؤلاء الوطن للبيع فى الهايبر ماركت؟

فى قصة للأديب الروسى العالمى فيدور ديستوفسكى أن السيد المسيح ظهر فجأة فى مدينة أشبيلية.. فترك المصلون الكنائس.. وكفوا عن صناديق النذور.. وأقلعوا عن طلب البركة من الكرادلة.. وخرجوا كلهم  لاستقبال المسيح على أطراف البلدة. 



وقتها غضب كاهن الكنيسة.. ووقف أمام السيد المسيح يخاطبه غاضبًا: «سيدى.. نحن الذين أقمنا دينك.. وشيدنا الكنائس ودعونا المؤمنين إليها.. ونقلنا تعاليمك.. وعاقبنا الخطاة.. وجمعنا النذور لأجلك.. ثم بعد هذا كله تأتى أنت لتغفر الخطايا وتسامح لأن الله محبة..

وتؤكد أنه لن يدخل الجنة غنى.. فيترك المسيحيون كنائسنا ويأتون إليك؟!» 

وطلب الكاهن إلى السيد المسيح الخروج فورًا من البلدة.. وإلا أمر بإعادة صلبه  بتهمة الخروج على  المسيحية!! 

 القصة عظيمة الدلالة.. بليغة التشبيه والمعنى، أنه بعد مئات السنين من نزول الرسالات، يأتى من يحورها، ويلعب بها، ويخرج العقائد عن سياقها، ويدخل بالأديان  إلى عالم تخالف فيه الشريعة الجديدة الشريعة الأم، وتتناقض فيه مع المبادىء الأساسية للتشريع السماوى الأول. 

ويأتى يوم، ويتحول فيه كهنة الأديان الجديدة إلى تجار باسم الله.. ولصوص للأوطان باسم كتاب الله.. وقتلة وإرهابيين وجواسيس باسم حدود الله!

(2) 

تتغير الأديان عندما يحولها بعضهم إلى أيدولوجيا. الأيدولوجيات جامدة، عنصرية، صلبة، تسعى لفرض الرأى والهيمنة. لا يتقبل أصحاب الأيدولوجية الآخر أو المختلف، بينما شرع الله الإسلام مرن.. متسامح. وشرع  الله الأديان جميعها لصلاح المجتمعات وسلامتها.  لذلك حثت الأديان على اختلافها على قبول المختلف، وحفظ نفسه وعرضه وماله وممتلكاته وحريته ودمائه.. بينما ليس للأيدولوجيات بطبيعتها أى حدود تتوقف عندها.. وليس لدى أصحاب الأيدولوجيات الدينية أى  خطوط حمراء! 

حول الإخوان الإرهابيون الإسلام  إلى أيدولوجيا، لذلك مارسوا الحيل، وملاعيب الشياطين، وكذبوا، وحاولوا السيطرة، ثم قتلوا المصريين فى الشوارع، وعلى المقاهى باسم دين الله.. وبحجة شريعة الله! 

داعش هى الأخرى أدلجت الدين، فتمادت فى الذبح وفى قتل الأبرياء، وتمادت فى سبى النساء، واغتصابهن نصرًا للإسلام.. وحفظًا لكتاب الله.. وكانوا أفاقين! 

فى فرنسا قتلت داعش أبرياء بحجة الدفاع عن رسول الله. لم يكن ليرضى صلى الله عليه وسلم نفسه بهذا لو كان بين ظهرانينا اليوم. فالإسلام لم يأمر بقتل.. ولا أمر بذبح.. وفى كتاب الله جادلهم بالتى هى أحسن. لكن داعش لم تفعل.. وقالت إنها تنفذ حكم الله!! 

(3) 

أزمة داعش كما أزمة الإخوان، كلهم متطرفون، أصابتهم الهلاوس، والضلالات، فتحصلوا على أموال من العالم بالمليارات، ثم سعوا إلى محو العالم من ذاكرة الكوكب حفظًا للأديان.. وحفاظًا على الإنسان!! 

فى فرنسا مازالت تداعيات العمليات الإرهابية الأخيرة مستمرة.. وعندهم حق. فالمجتمعات الحديثة لا تستطيع تفهم مبررات القتل والذبح والتفجير ردًا على رسوم بالألوان وعلى ورق أبيض! 

المؤكد أنه لا يمكن لمسلم تقبل الإساءة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لكن المؤكد أيضا أن الإسلام لم يأمر بالرد على الإساءة بالقتل والذبح وتفجير الكنائس، وقطع رقاب الأبرياء! 

استغرب الغرب انتقامية داعش على الرسوم المسيئة بطريقة أفلام التاريخ القديم.. فى زمن ما قبل الدولة والمدينة. لذلك ربط الغرب بين الإسلام دينًا وبين داعش كجماعة.

المشكلة أن داعش مرتزقة، والإخوان متطرفون .. وسوء التفاهم نابع من أن داعش ليست الإسلام..  ولا الإخوان هم الدين القيم. 

أدلجت داعش الإسلام، تمامًا كما أدلجه الإخوان. وضع الإخوان ثعابين فى علب  ملونة، ولفوها بورق هدايا، وربطوها بشراشيب أخضر وأحمر فسفورى.. وقدموها كهدايا..  فانفجرت فى وجوه كل الذين فتحوا الصناديق. 

استغربنا نحن الإخوان.. كما استغرب الغرب انتقامية داعش ردًا على الرسوم المسيئة، فالمجتمعات الحديثة لم تعتد الرد على الرسم بالرصاص.. ولا الرد على الإساءة بطلقات  البنادق النصف آلية! 

لم تعتد المجتمعات الحديثة (حتى فى الخلافات العقائدية) على سكاكين المطبخ طريقة للتعامل بين البشر.. والمجتمعات الحديثة لا تعرف للسكاكين المشرشرة أماكن إلا فى محال الجزارة.. أو على موائد الأكل فى المطاعم! 

(4) 

أدلجة الإسلام  هى التى ماهت بين مفهوم الدفاع عنه بالتى هى أحسن وبين نصرته بالعنف والقتل والإرهاب.. وفرض الرأى بقوة السلاح. أدلجة الإسلام هى التى وضعت أصحابها فى خانة فى مواجهة باقى المجتمعات وباقى البلدان.. وباقى الأديان، مع أن الله شرع الإسلام لصلاح النوايا.. وصلاح المجتمعات. 

تحويل الإسلام إلى أيدولوجية هو الذى شوه مفاهيمه و مقاصده  الصحيحة فى أذهان البعض، وهو الذى دفع داعش والجهاديين والتيارات السلفية يقفون كلهم فى مواجهة العالم، وهو أيضا  الذى دفع الإخوان مواجهة المصريين.. بالمتفجرات  والمولوتوف!  

وأدلجة  الدين هى التى أفرزت رجالاً لا يعرفون إلا اللحى الطويلة، والجلابيب القصيرة.. والقنابل المحلية الصنع! 

اجتهد الإخوان الإرهابيون فزادوا على متلازمة أدلجة الدين، أنهم أسسوا ما يشبه الهايبر ماركت عرضوا فيه الوطن للبيع.. وتعاملوا مع محامى الشيطان، ثم سعوا إلى الشيطان نفسه.. باسم حكم الله وشريعة الله.! 

أشاع الإخوان أنهم أهل الله.. وأحباؤه، ثم قتلوا على الرأى، وسجنوا على الهوية وعلى العقيدة.. وسحلوا المصريين فى الشوراع طمعًا فى السلطة.. ثم باعوا وثائق الدولة لقبائل عربية يسمونها الآن دولاً.. وقالك دفاعًا عن الله وعن المصريين. 

كلهم قتلة.. وكلهم كذابين!