الإثنين 30 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

لماذا رفضنا الحلف ووقعنا المعاهدة ؟

توقفنا فى الأسبوع الماضى عند نقطة تسونامى الفوضى الذى تطلقه  الحرب الانتخابية الأمريكية التى تغلف حقيقة الصراع الرأسمالى / الرأسمالى الدائر داخل الولايات المتحدة بين الأوليجاركية المعولمة والرأسمالية الكلاسيكية  مع ارتباط هذا الصراع بعامل خارجى وهو الصعود الصينى .. قبل البحث عن تأثيرات الفوضى  يجب أولا النظر  إلى أى مدى وصلت حدة الصراع والعداء  بين الإمبراطورية المهيمنة أو الولايات المتحدة والإمبراطورية الصاعدة الصين وطبيعة الأحلاف التى يقيمها كل من الخصمين.



 

 وصل العداء إلى درجة الهوس بين الولايات المتحدة والصين وخاصة من ناحية الإدارة الأمريكية الحالية سيطر هذا الهوس العدائى على السياسة الأمريكية لسببين أولهما شعور الولايات المتحدة بأن كل يوم يمر دون توجيه ضربة إلى الصين يعنى أن نهاية الهيمنة الأمريكية تقترب وبالنسبة للإدارة الحالية إدارة ترامب التى تمثل تيار الرأسمالية الكلاسيكية فهى بتوجيه هذه الضربات إلى الصين تؤثر فى خصمها الأوليجاركى لأن هذا الأوليجاركى مازال يظن أن الصين مخزن أرباحه بعد أن نقل لها القاعدة الصناعية لأمريكا الشمالية على مدار ثلاثة عقود فكأن الإدارة الحالية  بهذه الضربات تضعف خصمى الداخل والخارج.

آخر مراحل الهوس العدائى قانون «تسمية العدو» ويهدف هذا القانون الذى يعمل الكونجرس على إقراره حاليا بإيعاز من الإدارة الحالية ونوابها الجمهوريين داخل الكونجرس تجريد الرئيس الصينى شى بينج من لقبه كرئيس ووفقا لمشروع القانون يحظر على الحكومة الفيدرالية إنشاء أو نشر أى وثائق تشير إلى رئيس دولة جمهورية الصين الشعبية بصفته رئيسًا للصين بل يشار إليه بأنه الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى أو بصفته الأمين العام فقط. 

تقوم فلسفة هذا القانون العجيب إذ كانت له فلسفة حسب ما يرى المشرع الأمريكى أن مخاطبة قائد جمهورية الصين الشعبية بأنه رئيس، يعطى الافتراض الخاطئ بأن شعب الدولة من خلال الوسائل الديمقراطية قد اختاروا بسهولة الزعيم الذى يحكمهم. 

لقد قررت الولايات المتحدة ومجلس نوابها فى لحظة تاريخية غريبة فرض وصاية على أكثر من مليار صينى ورئيسهم الذى لا يعتبروه رئيسا، يكشف مثل هذا القانون بوضوح أن الولايات المتحدة فى لحظة توتر حاد لأنه ببساطة شديدة لن ينهار النظام السياسى الصينى عندما تقرر أمريكا عدم مخاطبة شى بينج بلقب الرئيس. 

يعطينا هذا التوتر فرصة نادرة وكاشفة للموقف الدولى والأحلاف التى   تتشكل نتيجة للحركة السريعة التى تسير بها الولايات المتحدة ويستوعبها خصمها فى بكين بدهاء لأن الإدارة الأمريكية أمام ضغط الداخل الأوليجاركى والخارج الصينى لا تبذل مجهودًا أو تهتم بتغطية استراتيجيتها فى بناء تحالفتها الجديدة. 

فى نفس الوقت يسمح لنا الاستيعاب الذى تقوم به الصين برؤية المستقبل الذى تصنعه القوة القادمة، يتحدد بين التوتر والاستيعاب مصير الشرق الأوسط وأيضا موقفنا من الخريطة الدولية التى ترسم الآن بالمال والأساطيل والدم. 

استطاعت الولايات المتحدة فى حركتها السريعة استعادة إسرائيل من الأحضان الصينية وسيطرت على الخزينة الإماراتية التى كانت هى الأخرى نقطة ارتكاز للمشروع الاقتصادى الصينى فى الوطن العربى وإفريقيا وحدث ما توقعناه سابقا فالإمارات عوضت إسرائيل برعاية أمريكية عن ما فقدته من دفء الأحضان الصينية فمولت صناعة التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة التى كانت تذهب إلى الصين عن طريق معهد حاييم وإيزمان وتدخلت شركات الموانئ الإماراتية وهى الأضخم فى العالم للتعامل مع الموانئ الإسرائيلية بعد أن كانت فى يد الصينيين وحدثت هذه الاتفاقات تحت ستار ما يسمى بالسلام. 

انطلقت الولايات المتحدة بعد ذلك سريعا تطارد بقية الخليج العربى فى محاولة منها لعمل تغطية على السبب الحقيقى لقيام هذا الحلف الخليجى الإسرائيلى ولكن التوتر أفقد أمريكا قدرتها السابقة على الإخراج الجيد لتحالفاتها السابقة وأصبح الأمر مكشوفا ولم يستطع ستار السلام المهترئ إخفاء الحقيقة. 

فى لحظة بناء هذا الحلف أعطت الولايات المتحدة إشارات ناعمة لإيران من أجل أن تعود إليها وتمارس دورها المعتاد بعد أن أرهبتها باغتيال قاسم سليمانى مهندس المعاهدة الاستراتيجية بين الصين وإيران، ألطف هذه الإشارات كانت يوم إعلان الاتفاق الإماراتى / الإسرائيلى عندما أعلن ترامب أن بعد انتخابه بشهر سيعقد اتفاقا جديدا مع إيران. 

عند المحطة الإيرانية يجب أن نتوقف قليلا لنرى كيف يعمل الاستيعاب الصينى ليبنى تحالفات قائمة على ثبات المستقبل وليس اهتزازات التوتر. 

فشلت الولايات المتحدة فشلا ذريعا داخل مجلس الأمن بمد حظر التسلح على إيران فقد تصدت لها الصين ومن ورائها روسيا والمفاجأة كانت أوروبا عدا إنجلترا بالطبع فأوروبا أصبحت كفة مصالحها تميل تجاه الصين اقتصاديا وتدعمها إمدادات الغاز المتوقعة من روسيا. 

حسمت طهران أمرها بالاتجاه شرقا ولم تتقبل إشارات اللطف الأمريكية دفع التوتر الولايات المتحدة لإعادة  فرض جميع العقوبات على إيران من طرف واحد رغم أنها أعلنت سابقا انسحابها من الاتفاق النووى مع إيران وخرج البيان الأمريكى متشنجا محذرا العالم أجمع من التعامل مع إيران وبالتأكيد صلب التحذير موجه إلى بكين. 

راقب التنين الصينى التوتر الأمريكى فى هدوء ولم ينفعل بسبب فقده القطعتين الإسرائيلية والإماراتية من على رقعة  الصراع لصالح الأمريكى فالتطور التكنولوجى الذى كان يعتمد فى بعض منه على إسرائيل قطعت  فيه الصين شوطا طويلا وما تريد استكماله يساعدها فيه الحليف الروسى وبدأت الصين فى  توزيع الارتكاز المالى الذى تمول به مشروعها الحزام والطريق وانتقل جزء منه إلى إيران بقيمة  مليار دولار كتمويل على مدار 25 عاما عن طريق المعاهدة الاستراتيجية بينهما التى تتيح للصين التواجد العسكرى والاقتصادى والأهم تواجدها فى مضيق هرمز وخليج عمان عن طريق الموانئ الإيرانية. 

تأتى الضربة الصينية الأهم مع الحليف الثانى أو باكستان ومينائها  «جوادر» الذى سيغير خريطة النفوذ فى الخليج والشرق الأوسط فيمتد خط نقل البضائع الصينية من إقليم شينجيانج الصينى إلى الميناء بطول 3000 كم لتصل الصين إلى بحر العرب والمحيط الهندى وتتحرر الصين من سيطرة أمريكا على مضيق ملقا الذى تمر منه أغلب بضائعها واحتياجتها النفطية  لا يعتبر «جوادر» فقط بوابة التحرر للصين ففى خلال سنوات قليلة سيصبح مركز التجارة الرئيسى لآسيا الوسطى وروسيا ومعهما بالتأكيد الصين وباكستان ممايفقد موانئ دبى أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية لقربه الشديد منها.

وقعت الصين معاهدة تستأجر بها الميناء لمدة 40 عامًا  وتتولى فرق خاصة فى الجيش الباكستانى حمايته وحماية الطريق الممتد من شينجيانج إلى جوادر هذاغير التواجد الصينى المباشر..بعد أن حصلت الصين على حليفين بهذه الأهمية لمشروعها فلم يعد مستغربا أن نجد باكستان تطالب بتشكيل حلف إسلامى جديد وتؤيدها فيه إيران بعيدا عن منظمة التعاون الإسلامى فى جدة لأنها لا تجد من يقف معها من المنظمة خاصة دول الخليج فى قضية كشمير، هنا يتخفى حلف صينى جديد ينشأ وراء لافتة القضايا الإسلامية كما تخفى الحلف الأمريكى الإسرائيلى الخليجى وراء لافتة السلام. 

تحقق الصين من وراء هذا الحلف هدفين غاية فى الأهمية والذى قد يضم العديد من دول آسيا الوسطى المسلمة المستفيدة من بوابة ميناء جوادر الاقتصادية لأنها لا تمتلك منافذ بحرية. 

أول هدف تحققه بكين  أحكام السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية منهية النفوذ الأمريكى بها وثانيهما إحاطة إقليم شينجيانج ذى أغلبية الإيجور المسلمة بحزام إسلامى موالٍ للصين مما يمنع أى أعمال  خارجية مدعومة أمريكيا تؤثر على استقرار الإقليم البوابة البرية   لمشروع الحزام والطريق. 

بسبب هذه الترتيبات لم يبد التنين الصينى أى انزعاج من فقده قطعتين فى صراعه مع الولايات المتحدة لأنهما فقدا أهميتهما بالنسبة له بل يمكن توقع أن دهاء التنين وضعهما كنقطة إلهاء لينشغل خصمه الأمريكى بهما لحين إحكامه هو السيطرة على الحلف الأهم الذى يبنيه حاليا. 

عندما ننظر للأحلاف التى تنسجها الإدارة الحالية فى الولايات المتحدة سنجد عددا من الحقائق أنها أحلاف ناتجة بسبب ضغط الداخل الأوليجاركى والخارج الصينى، وليدة لحظة توتر تاريخى نتيجة تحرك مؤشر القوى لصالح بكين، هذه الأحلاف قد تتعرض لهزات شديدة بسبب الصراع الأمريكى / الأمريكى الذى سينتج فرضية الفوضى، يسود عدم التجانس بين مكونات هذه الأحلاف ويكفى أن الولايات المتحدة ستعلن قطر حليفا رئيسيا من خارج الناتو وهو ما كانت تسعى إليه قطر قبل عامين ورفض.

لم تكتف واشنطن بهذا بل أعلنت  أن الأزمة الخليجية / الخليجية والمتسببة فيها قطر ستحل خلال ساعات مرت الساعات ولم يحدث شىء، يتفاقم عدم التجانس والتخبط عندما يطل وجه جماعة الإخوان فهل عن طريق قطر الراعية للفاشيست سيصبح الإخوان حلفاء الناتو؟ وماذا ستفعل الدول الأوروبية الأعضاء فى الحلف التى تطارد تنظيمات الإخوان المدعومة قطريا على أرضها وخاصة فرنسا؟ أم سيصبح هناك ناتو إخوانى / قطرى بقيادة إخوان تركيا العضو فى الحلف؟ 

ستنقلنا هذه الأسئلة حول قطر وتركيا إلى مرحلة أعلى من التخبط الأمريكى وإلى المفاوضات بين طالبان والولايات المتحدة التى تتم حاليا فى الدوحة.•