الإثنين 30 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

كتاب جديد لبوب وودورد

الحَكْىُ من جانبى هذه المَرّة هو عن الكاتب الذى كتب الكتاب، فمضمون الكتاب بشكل أو آخر  أو ما تمَّت الإشارة إليه (بعد ترجمته بتصرف مطلق) قُتل تعليقًا وتحليلاً وتأويلاً فى الإعلام العربى والمصرى.. والكثير من خبراء أمريكا (وما أكثرهم هذه الأيام) أفتوا فتاواهم حتى قبل أن يصدر كتاب بوب وودورد الجديد «الغضب» الذى يبلغ عدد صفحاته ـ  ٤٦٦ صفحة!.



الصحفى الأمريكى الشهير بوب وودورد فى الـ77 من عمره، وقد انضم إلى واشنطن بوست عام 1971 وهناك بعد عامين وقبل أن يبلغ الثلاثين من عمره كشف مع زميله كارل برنستين فضيحة «ووترجيت» الشهيرة التى أطاحت بالرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون فى أغسطس 1974، وعلى مدى السنوات السابقة لم تتغير طبيعة كتاباته الصحفية التحقيق الصحفى الاستقصائى.

والكتاب الجديد الذى صدر منذ نحو أسبوع هو الكتاب رقم 20 فى قائمة كتبه، وثانى كتاب له يصدر عن زمن ترامب. الكتاب الأول كان فى عام 2018 بعنوان «الخوف»، وكُتُبُه غالبًا هى الأكثر مبيعًا ولها أصداء وردود أفعال مؤثرة فى الأوساط السياسية، ولمن لا يعرف وودورد فإن كُتبه تناولت عهود الرؤساء الأمريكيين بلا استثناء بدءًا من نيكسون وصولاً إلى ترامب.

ولا شك أن كل كتاب جديد لوودورد يحمل معه الكثير من الأسرار والمفاجآت والقنابل أو الألغام السياسية والإعلامية، فالصحفى الأمريكى المخضرم الذى فجَّر منذ أكثر من 45 عامًا فضيحة «ووترجيت» لا يعيش ولا يريد أن يعيش فقط أمجاد الماضى ويتحدث عن المعارك التى خاضها من قبل، بل لايزال يجتهد ويتابع ويطارد الحدث والحديث ويدقق فيما يَعلمه من معلومات وحقائق حول ما يجرى فى غرف القرار سواء فى البيت الأبيض أو فى كواليس واشنطن من أجل الوصول إلى فهم أفضل وشرح أعمق لما يحدث فى عاصمة القرار الأمريكى، فواشنطن التى تبدو مفتوحة ومتاحة للجميع لها أيضًا أسرارُها وألغازها والأبواب المغلقة والصفقات التى تجرى فى الخفاء!.

مَن قرأ كتبه وتابع تحقيقاته الاستقصائية المتعمقة لمطبخ السياسة الأمريكية يجد أنه أمام محقق صحفى متمكن وذكى يتابع ويسجل ليس فقط تفاصيل الحدث، بل أيضًا الحديث الدائر حوله، ولا يمل من أن يطارد ويلتقى بأغلب من كانوا مشاركين فى الحدث (على الأقل نجد مائة شخص كمَصدر لكل كتاب)، ثم يحاول وبحرفية عالية وجدية تامة وبإصرار كبير أن يجمع كل مكونات الحدث وصناعة القرار ويتحاور مع من كان طرفًا بشكل أو آخر فى هذا الحدث من أجل أن يتوصل إلى أقرب صورة للمشهد بتفاصيله الدقيقة، ثم ينقل هذه المَشاهد للقارئ بصياغة صحفية شيقة ومتكاملة وكاشفة بحيث تقرأ (أنت كقارئ) كيف تم اتخاذ القرار ولماذا كان هذا الاختيار من جانب من يملك زمام الأمور؟ وما الأجواء والظروف التى دفعت به لأن يصنع هذا القرار فى ذاك التوقيت؟ بتلك السرعة أو ذلك البطء، وله كما جرت العادة مساعدون وعددهم قليل جدّا للوصول إلى الكتاب بشكله النهائى.

ما يسعى إليه وودورد - كما يقول وكما يتضح من كتبه  ليس الفرقعة الصحفية المليئة بالأكاذيب والشائعات المشكوك فى أمرها، بل التحقيق الصحفى العميق والمتشعب بقلم كاتب صحفى صنع مصداقية ممتدة على مدى عشرات السنين، وبالطبع لا يريد أن يخسرها من أجل كتاب أو بما قد يأتى فى الكتاب.

فى كتابه الجديد تكلّم مع الرئيس ترامب 18 مكالمة هاتفية مُدتها تصل إلى أكثر من تسع ساعات، وعندما بدأت واشنطن بوست فى تناوُل الكتاب لم تكتفِ بنشر بعض التفاصيل، بل وضعت لينكات لمقتطفات من التسجيلات الصوتية لمكالمات وودورد الهاتفية مع ترامب، أى أن ما قاله الرئيس الأمريكى بشأن الوباء المتفشى وخطورته له دليل صوتى مسموع.. يحمل أيضًا تأكيده على التقليل من شأنه علنًا  لعدم رغبته فى إثارة قلق الأمريكيين وترويعهم (حسب تعبير ترامب نفسه).

من يتابع القرار الأمريكى وصانعه لديه صورة عامة بلا شك لما هو مقلق ومخيف ومحبط ومحير فى إدارة ترامب؛ خصوصًا فى عام 2020م، وودورد يكتب تفاصيل ما حدث أو ما يتحدث عنه أهل واشنطن فى هذه الفترة الصعبة التى تمر بها البلاد، وودورد يسلط الأضواء بالطبع على الرئيس ترامب وانفراده بالقرار أكثر من أى رئيس أمريكى آخر، إذ تخلص ممن كانوا حوله من أصحاب الخبرة والتجربة والجنرالات الكبار أمثال ماتيس وزير الدفاع وجون كيلى كبير موظفى البيت الأبيض وهيربرت آر ماكماستر مستشار الأمن القومى وعدد كبير ممن عملوا فى إدارته، كما أنه سلم ملفات الدبلوماسية والتعامل مع العالم الخارجى وقضايا الأمن القومى لصهره زوج ابنته ومن صار كبير مستشاره جاريد كوشنر. لا يمكن الحديث عن الرئيس ترامب وصفقاته الدولية والشرق الأوسطية دون أن يأتى بذكر كوشنر ودوره الحيوى.

••

وودورد عاش ويعيش واشنطن طولاً وعرضًا وعمقًا لنحو نصف قرن.. يعرف أهلها وتفاصيل الخطوط المتشابكة للمصالح وللنفوذ فيها ويعرف كيف يغربل الحقائق والأكاذيب، وبالتالى يعطى لقارئه فرصة للتعرف على واشنطن هذا العالم البعيد عنه والمجهول له.. ومع هذا المتحكم فيه وفى حياته.