الإثنين 30 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

لماذا رفضنا الحلف ووقعنا المعاهدة ؟

«عندما أتيت إلى أمريكا منذ فترة طويلة، صدمت بفيضان أفلام الحركة العنيفة فى كل مكان، قال صديقى: لا تقلق أنها مجرد وسيلة للناس للتنفيس عن غضبهم حتى لا ينتشر فى حياتهم المدنية، أعتقد أن صديقى كان مخطئا بعد كل هذا». 



هذه كلمات تغريدة كتبها قبل أيام مواطن أمريكى على موقع التواصل الاجتماعى تويتر .

 

تقودنا هذه التغريدة إلى ما توقفنا عنده الأسبوع الماضى فى هذه السلسلة ونحن نستعرض طبيعة طرفى الصراع الدولى أوالإمبراطورى الولايات المتحدة والصين من الداخل وكانت البداية من الولايات المتحدة التى تشهد صراعا أمريكيا / أمريكيا وصلت حدته إلى درجة أن هناك من يراه بداية بذور حرب أهلية كما قال توماس فريدمان. 

يدعم هذه النظرة غير المتفائلة بالمستقبل الأمريكى أمرين أولهما أن الصراع الأمريكى / الأمريكى ليس تنافسا سياسيا طبيعيا معتادا كما حدث فى الانتخابات الأمريكية طوال القرن الماضى وبدايات هذا القرن بل يعكس هذا الصراع تحولا جذريا فى مفهوم إدارة المجتمع البشرى يقوده تياران متحكمان فى الرأسمالية يسعى كل منهما للهيمنة على رأس وقائدة حــركة الرأسمالية فى العالم الولايات المتحدة ومن بعدها هذا المجتمع البشرى.. خرج هذا الصراع  من نطاق النخب المتحكمة  فيه سواء  من الأوليجاركية المعولمة التى ترى أن المستقبل الإنسانى يجب أن يخضع لأفكارها وبين الرأسمالية الكلاسيكية التى ترى هى الأخرى سيادة نمط هذه الأوليجاركية يعنى نهاية وجود الدولة الأمريكية القومية بمعناها السياسى، أطلقت هذه النخب الصراع بكامل عنفه إلى الشارع الأمريكى المدجج بالسلاح ليتحول إلى انتماء عقائدى بين مجموعات متشوقة للعنف ومزيد من العنف.. لم يعد مشهد الميليشيات المدججة بالسلاح من كلا الطرفين السائرة فى الشوارع  مستغربا الآن فى الولايات الأمريكية، لم يعد مستغربا أيضا ظهور مصطلحات تمهد لما هو قادم مثل انطلاق مسيرات من الميليشيا المؤيدة للرأسمالية الكلاسيكية تحت رايات تحرير الولايات المتحدة من الاشتراكيين المعولمين الذين يهددون وجود القيم الأمريكية. 

على الناحية الأخرى تنطلق ميليشيات الأوليجاركية تريد تحرير أمريكا من قيود الماضى الذى تراه بغيضا والتقدم إلى مستقبل جديد تمنعها عنه هذه المجموعات المتمسكة بمحدودية جغرافية أمام آفاق العولمة التى بلا حدود.. تصدير هذا الصراع العنيف إلى الشارع الأمريكى من كلا الطرفين المتحاربين غلف بشكل دعائى بسيط حتى لا يرهق عقل المواطن الأمريكى حامل السلاح.. وصمت الرأسمالية الكلاسيكية  أعداءها بأنهم مجموعة من الاشتراكيين المعولمين ويكفى فقط أن يشار داخل الولايات المتحدة إلى شخص أو جماعة بأنهم اشتراكيون فهو أو هم يتحولون إلى عدو شديد الخطورة فى نظر المواطن الأمريكى العادى الذى تربى طوال عقود أن الشيوعية والاشتراكية تهدد وجود الولايات المتحدة.. يكفى الحملة المكارثية فى الخمسينيات لمطاردة من يشك فى ولائه للقيم الرأسمالية الأمريكية وانتمائه للاشتراكية، تحولت أمريكا وقتها إلى دولة بوليسية من طراز فريد ومازالت هذه البوليسية تحكم الداخل الأمريكى بعيدا عن بلاهة الانبهار بالحريات الأمريكية.. ركز الخصم الأوليجاركى على شرائح الشباب والأقليات متهما الرأسمالية الكلاسيكية بأنها معادل للفاشية التى تريد قهر تطلعات الحركات الشبابية الأمريكية وتمنعهم من الاستمتاع والاستفادة من مكاسب العولمة مقابل قيم بالية تريد المحافظة عليها وبالتأكيد لم تحتج الأوليجاركية لمجهود كبير مع الأقليات لإثارة غضبهم.. يخفى هذا الغلاف الدعائى البسيط حقيقة الصراع الذى تصاعدت حدته متحولا إلى احتراب داخلى بدأت فيه الرصاصات تنطلق ويسقط فيه ضحايا من الطرفين، تتخفى وراء الصراع المتحول مصالح مالية جبارة للخصمين يعرف كل منهما أن انتصار الآخر يعنى زوالها أو على الأقل تحجيم أرباحه إلى أن يفقد تأثيره على الساحة الأمريكية وبعدها العالمية.. لم تغب حدة المشهد وخطورته عن رؤية الميديا الأمريكية كما فعل توماس فريدمان فمجلة «ناشيونال إنترست» رأت (يجب التعامل بجدية مع بذور العنف فى الولايات المتحدة فالحروب الأهلية المعاصرة حدثت إثر حركات  جماهيرية مثل أوكرانيا وفى دول عربية ـ تقصد هنا ما يسمى بالربيع العربى ـ  مع وجود مساحات للتدخلات الخارجية ولا يمكن توقع ما سيحدث فى حالة ارتفاع حدة التوتر والأستقطاب فى الولايات المتحدة خاصة مع تداخل عامل أو عوامل خارجية تفجر الداخل الأمريكى أو قيام  مجموعة  تنتمى إلى أحد التيارين  بأعمال عنيفة وانتقامية بعد ظهور نتائج الانتخابات فى نوفمبر القادم) .. أى كانت نتيجة الانتخابات الأمريكية فى نوفمبر المقبل فقد أصبح هناك مصطلح آخر يتحكم فى عقل رجل الشارع الأمريكى عقب إعلان النتيجة هذا إذا أعلنت باسم «السيناريو المخيف». 

 تولدت مخاوف فى الشارع الأمريكى ويمكن متابعة هذه المخاوف الحقيقية من خلال وسائل السوشيال ميديا أن كلا الطرفين لن يقبل الخسارة وسيلجأ إلى العنف أو السيناريو المخيف من أجل إثبات أحقيته فى الفوز.. بدأ المواطن الأمريكى يستدعى التاريخ السياسى الداخلى والدموى للولايات المتحدة فى ذاكرته فطوال عقود حاول بريق الحلم الأمريكى إخفاء الوجه القبيح واليدان الملطخة بالدماء للحياة السياسية والاجتماعية الأمريكية. 

هذا الإخفاء كان مثل رواية الكاتب الإنجليزى روبرت لويس ستيفنسون  دكتور جيكل ومستر هايد، فالدكتور جيكل هنا هو الحلم الأمريكى الرائع وأمريكا التى يعمها السلام الزائف أما مستر هايد فهو التاريخ الأسود للعنصرية والحرب الأهلية الأمريكية واغتيال أربع رؤساء أمريكيين أولهم أبراهام لينكلون وآخرهم جون كينيدى ـ حتى الآن ـ واغتيل شقيقه أيضا روبرت كينيدى وبينهما محاولتان فاشلتان لاغتيال فرانكلين روزفليت ورونالد ريجان غير اغتيال مارتن لوثر كينج زعيم حركة الحقوق المدنية والزعيم الآخر مالكوم أكس. 

أغلب هذه الجرائم السياسية الدموية مازال الغموض يحيط بتفاصيلها ولم يقتنع التاريخ الأمريكى حتى اللحظة بالأسباب المعلنة وراء حدوثها بل يرجع أسباب حدوثها إلى صراع قوى المصالح داخل الولايات المتحدة والتى رأت أن تنهى تحول دفة المصالح تجاه طرف على حساب آخر بتصفية قائد هذا التحول قبل أن يشتعل الصراع بشكل أكبر بين كل القوى ولعل فى لينكلون وكينيدى أوضح مثال على ذلك ويمكن أن تفرز الحالة الأمريكية الآنية مثال أخر.. يمكن اعتبار كل ما سبق شأن داخلى أمريكى وهذا طبيعى عندما تكون الولايات المتحدة دولة عادية لا يتأثر المحيط الدولى بما يدور داخلها لكن ارتدادات ما يحدث فى الإمبراطورية الأمريكية تمتد آثاره إلى أرجاء المجتمع الدولى وخاصة فى الشرق الأوسط.. انتصار أى طرف فى الحرب الانتخابية القادمة ستكون له حسابات فى الشرق الأوسط يعمل  على إجرائها خاصة مع تنامى تأثير العامل الخارجى على الداخل والخارج الأمريكى والمقصود بالعامل الخارجى  هنا الإمبراطورية الصينية الصاعدة التى تراقب الصراع الأمريكى / الأمريكى فى سكون ودهاء.. فى يناير 2021 موعد تنصيب الرئيس الأمريكى ستحسم الرأسمالية الأمريكية بفرعيها  المتقاتلين  أمرها إما باللجوء للتفاوض الشاق أو العنف الكامل ليخضع طرف أمام الآخر وفق إجراءات سلطوية غير مسبوقة من المؤسسات الأمريكية التى تمثل كارتلات أصحاب المصالح لعدم الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل وألا عودة. . يدفع حجم المصالح الرأسمالية التى تمتد على مساحة الكوكب إلى الوصول إلى حل بأى شكل حتى لو كان فوق رؤس القادة لتبقى الرأسمالية تدار من نخب الصف الثانى التى سيصبح فى يدها قيادة الولايات المتحدة عند هذه الحالة ـ إذا حدثت ـ فستكون السيادة للأوليجاركية المعولمة لعدة أسباب. 

صدرت للداخل الأمريكى مشروع فى جانبه الأكبر دعائى بالكامل لإخفاء مصالحها الأكثر استغلالا وعنفا من الرأسمالية الكلاسيكية ولقى المشروع الدعائى تأييدا من القوى المؤثرة على الأرض أو الشرائح الشبابية التى تملك المستقبل وتعادى مفهوم سلطة الدولة بواقع قلة خبرتها وجنوح هذه الشرائح العمرية للتمرد على السلطة وتحديدا الرئيس ترامب، يلاحظ دائما فى مؤتمرات ترامب خلوها من العنصرالشبابى أو عملها على إفساد مؤتمراته وفى مؤتمر قبول الترشح لم يتواجد إلا الشباب المنتمون إلى عائلته. 

تمتلك الأوليجاركية الجزء الأكثر حيوية وحداثة وتركز مالى فى الرأسمالية الأمريكية من شركات المعلومات وعمليات إدارة المال وهى تؤمن فقط بحرية تحرك رأس المال فوق وجود الدولة القومية حتى لو كانت أمريكا نفسها مما يتيح لها الكثير من الحلفاء فى الخارج أو الأوليجارك المماثلين لها والتى صنعتهم طوال الأربع عقود المعلومة الماضية.. ترى الأوليجاركية فى الصين مخزنا رأسماليا للأرباح لأنها هى من صنعت هذه الصين بنقل كافة صناعات أمريكا الشمالية إلى البر الصينى لتحقيق مزيد من الأرباح المالية  دون الالتزام بقواعد رأسمالية الدولة الأمريكية ولذلك فهى ستعمل على احتواء النفوذ الصينى المتصاعد كما تظن. 

تشيرهذه الأسباب أن حركة التاريخ تسير فى صالح الأوليجاركية ولكن هذه الحركة ليست إيجابية النتائج دائما فالصين التى ساهم الأوليجارك فى صنعها لم تعد نفسها الصين بداية  التسعينيات فهى الآن إمبراطورية صاعدة ترى من حقها إدارة الرأسمالية العالمية بكل تجلياتها وفق ما تراه بل لها مشروعها الخاص «مبادرة الحزام والطريق» الذى تنشره فى العالم بديلا عن الهيمنة الأمريكية. 

يبقى الأخطر بالنسبة لنا هنا فى الشرق الأوسط  فهذه الأوليجاركية فى لحظة الوصول ستندفع لأحداث موجات من الفوضى وتفتيت مفهوم الدولة وسيصل تأثيرها إلينا وهما سلاحها الرئيسى لتحقيق أرباح من المضاربات المالية أو تشغيل المعلوماتية بكثافة حتى فى حالة قبولها وجود الرأسمالية الكلاسيكية بشكل سياسى مؤقت لحين تصفية وجودها والرحيل فى سلام فستحصل الأوليجاركية على مساحات شاسعة كثمن تمارس فيها الفوضى لتحقيق الأرباح . 

فى كل الأحوال ستخلف الحرب الانتخابية الأمريكية تسونامى من الفوضى ولكن الأهم كيف نتجنب آثار هذا التسونامى بل قد نحقق مكاسب بأن نعلو فوقه؟