الإثنين 30 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

لماذا رفضنا الحلف ووقعنا المعاهدة ؟

يمتلك السير ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق وصاحب النصر وعلامته الشهيرة فى الحرب العالمية الثانية رؤية استشرافية من نوع خاص فقد وقف وحيدا ضد كل ساسة بريطانيا العظمى متبنيا قرار الحرب ضد ألمانيا النازية رغم أن كل هؤلاء الساسة رأوا فى هتلر رجلا يسعى لبعض المكاسب تعوض خسائر ألمانيا فى الحرب العالمية الأولى وبمجرد أن يحصل عليها سيسالم الإمبراطورية البريطانية .



قبل نشوب الحرب بست سنوات رأى تشرشل أن هتلر هدفه الأول غزو الجزيرة البريطانية وفرض الهيمنة على العالم باسم النازية عندما عاد رئيس وزراء بريطانيا الأسبق نيفيل تشامبرلين من ميونخ متوهما الانتصار بحصوله على معاهدة سلام مع هتلر قبل الحرب بعام أصر تشرشل على رأيه ساخرا من ورقة السلام مؤكدا أن كل ما تفعله بريطانيا بهذه السياسة أنها تزيد من قوة المسخ النازى. 

صدق توقع تشرشل وتولى رئاسة الوزراء ليخوض الحرب ضد النازية والآلة العسكرية الألمانية الجبارة وحيدا، عانت لندن من شدة قصف الطيران الألمانى والتفوق التكنولوجى للعقلية الألمانية خاصة فى مجال الشفرات فالألمان امتلكوا «أنجما «آلة الشفرة الأكثر تطورا والتى حجبت كافة أسرار التحركات العسكرية الألمانية وجعلت الإنجليز فى حالة من العمى المعلوماتى.  

يصل إلى  تشرشل خطاب غريب فى ذروة هذا القصف وإنجلترا محاصرة بحريا بالكامل من الألمان وهناك شبه مجاعة وخزينة الإمبراطورية خاوية كان الخطاب من عالم الرياضيات آلان تورينج الذى يعمل فى قسم فك الشفرة التابع للمخابرات البريطانية يطلب تورينج من تشرشل 100 ألف جنيه إسترلينى من أجل تمويل آلة سيخترعها تستطيع مواجهة « أنجما»، سخر زملاء ورؤساء تورينج من خطابه، جاء رد تشرشل صادما للساخرين لقد منح تورينج الـ100 ألف إسترلينى وسط هذه المجاعة والخزينة الخاوية بل وعينه رئيسا لقسم فك التشفير، نجحت آلة تورينج وهى أساس أجهزة الكمبيوتر التى نستخدمها الآن فى فك شفرة «أنجما» وحسب تقدير الخبراء العسكريين أن هذا الاختراع كان العامل الحاسم والأول فى انتصار الحلفاء لأنه كشف أمام قادة الحلفاء كل الأسرار والخطط الألمانية فى الحرب. 

 بعد أن ترك تشرشل الحكم وقبل رحيله عن عالمنا بفترة وجيزة، سأل فى أحد الحوارات عن تصوره لشكل الإمبراطوريات القادمة فى المستقبل قال «إمبراطوريات المستقبل هى أمبراطوريات العقل» 

هذه الرؤية الاستشرافية ليست قاصرة على ونستون تشرشل بل هى أداة رئيسة للقائد عندما يتخذ قرارا جريئا وتحوليا وغيرمتوقع فى وقت مصيرى لأمته لا تصلح فيه القرارات المعتادة وسنجد نفس هذه الرؤية الاستشرافية عند عبدالناصر فى رفض حلف بغداد وتأميم القناة ونجدها عند السادات فى قرار حرب أكتوبر المجيدة وتوقيع معاهدة السلام. 

هذه الرؤية التى تبناها القائدة كانت عامل حاسم نتج عنه مشاركة مصر فى صناعة المعادلة الشرق أوسطية والدولية الجديدة التى تتشكل أمامهما فى نفس الوقت أعطت مصر مركزا متقدما ثابت وحررتها من حصار التهميش ومنحتها هالات النفوذ التى عملت كمصدات حافظت على الداخل من تقلبات المعادلة الدولية، رغم ما كان لهذه القرارات من تبعات صعبة ألا أن عدم اتخاذها كان سيكلف مصر الداخل والخارج جسامة الخروج من التاريخ وهى الأمة صانعة التاريخ. 

نستخدم  مفهوم هذه الرؤية الاستشرافية فى ما توقفنا عنده الأسبوع الماضى «تبدأ ثورة يونيوفى بناء النسخة الثانية من الدولة المصرية الحديثة معلنة لحظة الخروج  وفى نفس العام تطلق الصين من وراء سورها العظيم مبادرة الحزام والطريق المشروع المضاد للهيمنة الأمريكية لتتشكل معادلة دولية جديدة منتجة صراعا وصل هذا العام إلى درجة الصدام بين الولايات المتحدة والصين وعند هذه النقطة تكن هناك حتمية لقرارمصرى يتحضر من أجل صناعة المركز المحاط بهالات النفوذ». 

تطبيق الرؤية الاستشرافية تجعلنا نتعرف على ملامح هذا القرار المصرى ولماذا يرتبط بالحتمية  لكن يجب أولا دراسة طبيعة طرفى المعادلة الدولية الجديدة الملتهبة التى تتشكل الآن والطرفان هما  الولايات المتحدة والصين ومآلات الصراع التصاعدى بينهما .

لم يخطئ الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى خطاب قبوله الترشح للرئاسة عن الحزب الجمهورى عندما وصف هذه الانتخابات الأمريكية بأنها الأخطر فى تاريخ أمريكا، تأتى الخطورة من أنها ليست انتخابات بين الحزبين السياسيين المعتادين الديمقراطى والجمهورى اللذين يختلفا فى بعض التفاصيل لكنهما يعملان فى ظل استراتيجية مصالح واحدة. 

دائما كانت الانتخابات الأمريكية مثل شخصين يسيرا مع بعضهما البعض وكل منهما متفق على الذهاب إلى ميدان واحد لكن كل منهما يريد الذهاب من طريق يراه هو الأفضل فى النهاية تحدد اللعبة الانتخابية كفة أحدهما فيقبل بقواعد اللعبة ويسير وراء الفائز إلى الميدان المحدد. 

هذه الانتخابات مختلفة وخطيرة لأنها  بين مفهومين حول الرأسمالية التى يجب أن تحكم أمريكا وتديرالعالم ويصل إيمان كل طرف بما يراه إلى درجة العقيدة التى لا تقبل المساومات السياسية  وتتحرك وراء هذه العقيدة مصالح بترليونات الدولارات وعلى مساحة كوكب الأرض. 

هذا الصراع بين أوليجاركية مكونة من رأسمالية المضاربة تقودها النخبة المعلوماتية وتتجاوز مصالحها الدولة الوطنية بل تجد أن فكرة الدولة ذاتها عائق أمام هذه المصالح وتتخفى دائما وراء شعارات العولمة وتضع هذه الأولجاركية «الحزب الديمقراطى» كواجهة لتنفذ أغراضها ونائبة بايدن فى هذه الانتخابات كامالا هاريس أو السيدة التى ستكون أقوى من الرئيس فى حالة وصول بايدن للبيت الأبيض تعتبر مندوبة النخبة المعلوماتية أو كما يطلقون عليها مرشحة وادى السليكون مقر شركات المعلومات رأس الأولجياركية الأمريكية وهى نموذج معولم مفضل عند الأوليجاركية يشابه الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما. 

الطرف الثانى فى الصراع أو «الجمهوريون» هو تيار الرأسمالية الكلاسيكية التى تريد الاعتماد على الصناعة وتوطينها وتريد حصار النخبة المعلوماتية لأنها تراها خطر على مفهوم قيمة العمل ووجود الدولة الأمريكية ذاتها ويرى هذا التيار أن أمريكا الخمسينات فى وقت الرئيس الأسبق داويت أيزنهاور هى النموذج الذى يجب أن تحتذى به  ــ قدمت سابقا على هذه الصفحات بشكل تفصيلى طبيعة هذا الصراع الرأسمالى / الرأسمالى داخل الولايات المتحدة فى عدد من المقالات تحت عنوان مستقبل لايرى بالعين المجردة ــ . 

تلك كانت نظرة تعريفية سريعة بالتيارين الرئيسين المتصارعين داخل الولايات المتحدة المتخفيين وراء الحزبين الديمقراطى والجمهورى لكن ما يهمنا هنا هو معرفة مدى تأثير صراعهما على وجود الولايات المتحدة كإمبراطورية مهيمنة فى العالم وفى الشرق الأوسط وهل يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة مستقبلا فى ظل صراعها الداخلى كحليف بمعنى آخر  هل هذا الصراع سيتفاقم مما يؤدى لتأكل وجودها الإمبراطورى فى العالم؟ 

كل الإشارات القادمة من بؤرة الصراع الأمريكى / الأمريكى تقول أن معدلات التصاعد هى الأرجح بل قد تصل إلى الصدام بين مؤسسات الدولة الأمريكية فلأول مرة فى تاريخ الولايات المتحدة  يطالب مرشح رئاسى بتدخل الجيش الأمريكى لحسم نتيجة الانتخابات فجو بايدن أعلن فى  برنامج «ذا ديلى شو» فى قناة سى بى أس  أنه واثق تماما أن الجيش الأمريكى سيتدخل لإخراج  ترامب من البيت الأبيض إذا خسر الانتخابات ورفض المغادرة  أما ترامب فقد شكك فى نزاهة العملية الانتخابية بكاملها معتبرا أن خسارته تعنى أن خصومه قد زوروا الانتخابات لصالحهم. 

كان يمكن أعتبار هذا الأمر تراشق انتخابى بين المرشحين وقد زاد عن حده لكن مؤسسات الدولة الأمريكية تدرك تماما أنها انتخابات خطيرة وغير عادية وستحدد مصائر كثيرة وستتكرر هذه العبارة كثيرا فالأول مرة فى تاريخ الولايات المتحدة يتقدم رئيس هيئة الأركان الأمريكية  الجنرال مارك ميلى بتعهد طلبه الكونجرس حول دور الجيش فى الانتخابات القادمة وأعلن الجنرال ميلى فى تعهده. 

«فى حالة وجود نزاع حول بعض جوانب الانتخابات، فإن المحاكم الأمريكية والكونجرس الأمريكى مطالبان بموجب القانون بحل أى نزاعات وليس الجيش الأمريكى ولا أتوقع أى دور للقوات المسلحة الأمريكية فى هذه العملية لقد أقسمت أنا وكل فرد من أفراد القوات المسلحة اليمين على دعم دستور الولايات المتحدة والدفاع عنه واتباع الأوامر القانونية لسلسلة القيادة ولن ندير ظهورنا للدستور» 

بالتأكيد الجنرال مارك ميلى صادق حتى هذه اللحظة فى تعهده لكن حجم المصالح التى يمثلها التيارين المتصارعين وعدم قبولهما لأى مساومة حول أحقية كل منهما فى إدارة الرأسمالية الأمريكية ومن ورائها العالم  ومع تداخل نفوذهما فى المؤسسة العسكرية الأمريكية فهل مع هذا النفوذ ستحافظ المؤسسة على تماسكها أم قد تعانى من اهتزازيؤثر على جسم الإمبراطورية ؟

 لا ينحاز التاريخ الأمريكى لفكرة التماسك تلك فالحرب الأهلية الأمريكية نشبت نتيجة لصراع رأسمالى / رأسمالى مماثل وأن اختلفت تفاصيله.. لكن هل توقف الصراع الأمريكى / الأمريكى الدائر حاليا عند هذا الحد؟ الظهور الصينى القوى جعله يرتفع إلى مستويات أكثر خطورة.