الإثنين 30 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
حكاية عن التخلف من الدنمارك !!

حكاية عن التخلف من الدنمارك !!

دولة الدنمارك مثل الطالب المتفوق تجدها دائمًا متصدرة إحصائيات الأفضل فى أى مجال وهى الإحصائيات الموثّقة الصادرة عن  الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية ، تجدها الأفضل فى التعليم ، الصحة، السعادة، النظافة وغيرها من مجالات الحياة الإنسانية ويسعى المجتمع البشرى لتنميتها. 



ينافس الدنمارك فى الفوز بلقب الأفضل فى أى مجال جارتاها السويد والنرويج ،هذه المجموعة من الدول الأسكندافية التى تعيش هى وشعوبها فى كوكب الأفضل دائما. 

فى أواخر القرن الثامن عشر كانت الدنمارك هذا البلد الأفضل فى كل مجال تواجه مشكلة مزعجة وهى  الروائح النتنة التى تزكم أنوف كل ساكنى أراضى الدنمارك، هذ الرائحة المزعجة سببها القذارة الشديدة   فى شوارعها وعدم وجود أى نظام صحى للتخلص من القمامة، إذا كان هذا حال الشوارع والأراضى فحال مواطنى الدنمارك كان أكثر بؤسًا.  يعانى سكان الدنمارك من جميع الأمراض وتهاجمهم الأوبئة التى تحصد آلاف الأرواح فى كل عام وتترك جثث الضحايا فى الطرقات لا تجد من يدفنها كل هذه المصائب تحدث فى أجواء مناخية تصل إلى التجمد فى الشتاء وبرودة لا تنقطع طوال العام. 

لم تتوقف مصائب الدنمارك عند الروائح التى تزكم الأنوف والمرض والأوبئة. كانت المصيبة الأكبر فى وجود كريستيان السابع ملك الدنمارك وكان كريستيان الملك  فى الوقت نفسه منذ مولده يعانى  من اضطرابات عقلية واضحة.  

أصبح يدير الدنمارك مجلس استشارى يعتبر وصيًا على عرش الملك غريب الأطوار،   ينتمى تشكيل المجلس إلى الطبقة الأرستقراطية، كان كل ما يهم المجلس وأعضائه ويحرصون عليه الحفاظ على مكاسبهم والمداراة على الاضطراب العقلى الواضح لكريستيان السابع حتى لا يتسبب فى فضيحة للبيت الحاكم نتيجة لتصرفاته غير المتزنة.  هذا النوعية من المجالس وأعضائها ستجدها دائما مسيطرة فى المجتمعات البشرية التى تأن تحت وطأة التخلف ولا يشترط كما فى دنمارك القرن الثامن عشر أن تتخذ شكل المجلس الاستشارى الرسمى فقد تجدها بمسمى البطانة، الحاشية ، أصحاب النفوذ والعلاقات، أهل الثقة، الطبقة العازلة، الأوليجاركية .…

 يتغير اسم المصطلح والطبقة التى تنتمى لها هذه المجموعات الاستشارية لكن ما لا يتغير قدرتها فى إحكام السيطرة على المجتمعات لتظل هذه المجتمعات تعانى من التخلف ومن بؤس المجتمع  وتخلفه تتحقق المكاسب لهذه المجموعات. 

تشترك هذه المجموعات فى ثلاث صفات رئيسة لا تغادرها مهما تغيرت طبيعة العصر والمصطلح الذى يطلق عليها، الجهل مع رفض التعلم وتدمير العلم والثقافة والمثقفين، الانتهازية فى اقتناص أى فرصة وبأى ثمن لتحقيق المكاسب لنفسها، الخيانة لكل قيمة نبيلة حتى لوكانت قيمة الوطن ذاته  من أجل الحفاظ على مصالحها. 

نعود للملك الدنماركى كريستيان السابع غريب الأطوار ومجلسه الاستشارى المستفيد من بقاء الدنمارك تحت سطوة التخلف، كان     الملك يمارس جنونه فى سعادة داخل القصور المغلقة والمجلس       يحصد المكاسب.

مع كل مرة ينعقد فيها المجلس بحضور الملك كريستيان كانت مشاركة الملك تقتصرعلى توقيع القرارات التى يصدرها المجلس دون مناقشة منه تاركين الملك كريستيان أثناء الجلسات يداعب كلابه المفضلة لديه أو يهذى بكلمات غير مفهومة ثم تنتهى الجلسة ...…

مع نهاية كل جلسة تزداد معاناة  الدنمارك وشعبها من الروائح التى تزكم الأنوف والأمراض التى تفتك بهم والأوبئة التى تحصد الآلاف منهــــــــم. 

وسط هذه المعاناة المجتمعية وانفصال الملك باضطرابه العقلى عن الواقع فلا يعلم ما يدور على أرض مملكته والمجلس الاستشارى الذى يكرس التخلف ويحرص على حمايته من أجل مصلحة أعضائه كان هناك من يراقبون كل ذلك فى حزن وألم. 

سبب الحزن والألم أن الدنمارك أصبحت فى ذيل قائمة الدول الأوروبية التى بدأت تجنى ثمار عصر الأنوار والتحرر العقلى من الخرافة والجهل والاستبداد. كل هذه الآفات التى يكرسها  المجلس الاستشارى ويحولها الى أدوات يسيطر بها على المجتمع  تحت مظلة الشرعية الدينية وهى المظلة التى يستخدمها كل فاسدى هذه الطبقات وأن اختلفت أسماؤهم والمصطلح الذى يعرف الطبقة الفاسدة حسب العصر الذى تنتمى إليه. 

هؤلاء المراقبون الذين يتابعون فى حزن حال الدنمارك المأساوى كانت مجموعة صغيرة تعد على أصابع اليد الواحدة من المثقفين وبعضهم ينتمى لعائلات كبرى داخل البلاد أو على صلة بالقصر الملكى لكنهم يجمعهم  الاتصال  بعصر الأنوار الأوروبى واطّلعوا على ثقافة عصرهم وعلومه.

ثم أدركوا أن لا خلاص من هذا البؤس سوى بإصلاح شامل فى الدنمارك وتحرير عقول الدنماركيين من الآفات التى سيطر بها المجلس على المجتمع. 

لم تلجأ هذه المجموعة إلى فكرة الثورة والعنف الثورى لأنها فى الأغلب تعلم جيدا حجم الحالة المهترئة  والجهل الذى يسيطر على المجتمع، فإذا حدثت الثورة مع الجهل توالت انفجارات العنف التى لا تنتهى فلا يوجد  فى الدنمارك وقتها مشروع ثقافى وفكرى جاهز يمكن له أن يحد من عنف الثورة، يستطيع المشروع الفكرى فى نهاية الموجة الثورية بعد أن تأخذ وقتها طال هذا الوقت أم قصر أن يسود بدلا من الاضطراب والعنف كما حدث فى فرنسا بعد ذلك بسنوات قليلة. 

لجأت هذه المجموعة إلى الحيلة من أجل تنفيذ مشروعها الإصلاحى وإنقاذ الدنمارك من البؤس والتخلف فقد علموا أن القصر الملكى الدنماركى يبحث عن طبيب خاص للملك كريستيان يتولى مرافقته فى رحلة سياحية الى أوروبا سيقوم بها الملك للترفيه عن نفسه.  

يظهر هنا اسم الطبيب يوهان فريدريش ستروينسى وهو غير عمله كطبيب فهو مثقف متأثر بكل الأفكار التقدمية التى أتى بها عصر الأنوار ويريد أن يطبقها فى الدنمارك حتى ينهى التخلف الذى تعيش فيه. 

ذهب إلى الطبيب ستروينسى المجموعة المثقفة التى تجمعها به صداقة قديمة ويتشارك الجميع فى نفس الأفكار الإصلاحية والتقدمية وأخبروه أنهم سيرشحونه ضمن من سيتقدموا لشغل وظيفة طبيب الملك الخاص  أثناء رحلته الترفيهية وعليه استخدام كل علمه وثقافته من أجل اكتساب  ثقة الملك كريستيان فى المقابلة الشخصية معه حتى يأمر بتوظيفه وإن حدث هذا سيكون وجود ستروينسى داخل القصرالملكى بداية المشروع الإصلاحى الذى يريدون تنفيذه. 

نجح ستروينسى فى مهمته الأولى وتم تعيينه طبيب الملك أثناء الرحلة  التى امتدت لأشهر وخلال هذه الشهور أصبح الدكتور يوهان فريدريش ستروينسى موضع الثقة الكاملة للملك كريستيان السابع وأعلن بعدها الملك أن دكتور ستروينسى سيصبح طبيبه الخاص إلى آخر يوم فى حياته. 

فى نهاية الرحلة الترفيهية التى امتدت عبر أوروبا عاد الاثنان الملك كريستيان المضطرب عقليًا والدكتور ستروينسى المثقف المستنير إلى    مقر الحكم فى كوبنهاجن لتبدأ مرحلة جديدة فى تاريخ الدنمارك. 

خلال ما يقرب من ثلاث سنوات هى فترة وجود ستروينسى بجوار الملك كريستيان السابع استطاع ستروينسى إصدار كثير من القوانين عبر الملك التى أدت الى عملية إصلاحية كبرى فى الدنمارك وكان ذروة هذا العمل خلال توليه منصب مستشار الملكة كارولين ماتيلدا الإنجليزية المولد زوجة كريستيان السابع والتى على درجة عالية من الثقافة بعد أن دخل الملك كريستيان فى حالة اضطراب عقلى كامل. 

هناك تفاصيل مثيرة وكثيرة ترتبط بهذه الفترة المهمة من تاريخ الدنمارك وبشخصية دكتورستروينسى والملكة كارولين ماتيلدا التى ساندته وأحبته لكن سنوات الإصلاح الثلاث انتهت بالقبض على الدكتوريوهان فريدريش ستروينسى وأحد أصدقائه من مجموعة التنويرين وتم إعدامهما، أما الملكة كارولين فتم عزلها وترحيلها خارج الدنمارك.   

أثناء انشغال ستروينسى بعملية الإصلاح التى كان يخشى أن تتوقف استطاع أعضاء المجلس الاستعانة بالعائلة المالكة ليساندوهم ويستعيدوا السلطة من هذا الطبيب الإصلاحى وكان المحرك الأول وراء اتحاد  العائلة والمجلس تضرر مكاسبهم من قوانين الإصلاح. 

تبدونهاية قصة د. ستروينسى حزينة بسبب نهاية مشروعه الإصلاحى وحياته على يد هذه الطبقة الجاهلة لكن أهم وأخطر ما حققه د ستروينسى بعيدا عن القوانين الإصلاحية التى لم تصمد بعد رحيله أنه استطاع كشف هذه الطبقة الجاهلة وتعريتها أمام الدنماركيين وشعر المواطن بالفارق بين الإصلاح والاستغلال بين النور والظلام بين العلم و الجهل. 

لم تذهب حياة دكتور يوهان فريدريش ستروينسى هباء عقب وقت قصير من رحيله نمت بقوة بذرة الإصلاح التى زرعها وتسلم راية المشروع تنويريون غيره لتدور ماكينات الإصلاح بكامل طاقتها وتتغير الدنمارك وتنتقل إلى كوكــــــــب الأفضل وتختفى الرائحة التى كانت تزكم الأنوف لأن الطبقة الجاهلة مصدر هذه الرائحة النتنة رحلت بلا عودة.