الإثنين 27 مايو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

القتل.. تقرُّبًا إلى الله!

ريشة: خضر حسن
ريشة: خضر حسن

يبدو الإسلام فى عصرنا الحالى هو المتهم الأول بالإرهاب، فكثير من الباحثين والمؤرخين يربطون -ظلمًا - بين الدين وبين الممارسات الإرهابية التى يقوم بها بعض المنحرفين من أتباع الإسلام، ورغم أننا رأينا أن كل الأديان السماوية السابقة على الإسلام (اليهودية والمسيحية) جرى استغلال نصوصها من قبل الكثير من المتطرفين لتبرير جرائمهم وإسباغها بالطابع الدينى بحثًا عن الشرعية، فإن الإسلام لم يكن أيضا استثناء من تلك القاعدة، فقد شهد تاريخ الدولة الإسلامية الكثير من صور الانحراف والضلال، واستغلت العديد من الحركات الإرهابية الإجرامية تفسيرات مغلوطة للنصوص الدينية لتضفى على جرائمها شرعية زائفة.



وللأسف الشديد فإن كثيرًا من المراجع والمؤلفات التى تربط بين الإسلام وبين الإرهاب لا تخلو من أغراض ما، كما أنها تتجاهل عن عمد حقيقة بالغة الأهمية وهى أن تلك الجماعات الإرهابية الضالة، إنما خرجت عن تعاليم الإسلام، وارتكبوا أفعالًا لم يأت بها الإسلام، وكان المسلمون - كما سنرى فى السطور التالية- فى مقدمة ضحايا تلك الجرائم، وبالتالى كان الأولى أن توصم تلك الجماعات بالخروج عن الإسلام، لا أن يتهم الإسلام بانتماء هؤلاء المجرمين إليه!

 

على الرغم من أن الإسلام دين السلام والرحمة والعدل والوسطية والأمن والأمان، ولم يدع إلى الحرب على الناس أو سلب الممتلكات والبغى والظلم؛ فإنه لم يسلم من ظهور فئات تخالف التعاليم السمحة، بل إن المسلمين أنفسهم عانوا من الجرائم الإرهابية التى ارتكبت بحقهم، ولعل ما لاقاه الرسول «صلى الله عليه وسلم» والمسلمون الأوائل من عمليات استهداف وتعذيب وحشى أحد الأمثلة على ما عاناه المسلمون، لكن ذلك لا يمنع أن عصورًا لاحقة شهدت الكثير من المخالفات لتعاليم الإسلام، وظهور الكثير من الجماعات المتطرفة التى أساءت تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، فأولتها تأويلًا يناسب جنوحها إلى الجريمة، ويتوافق مع أغراضها المنحرفة.

 

 

 

الخوارج أصل الإرهاب

ولعل من الجماعات المبكرة التى عرفها الإسلام وتبنت تلك التأويلات الخاطئة لنصوص الدين، وانتهجت العنف والقتل وسيلة للتعامل مع مخالفيها حتى لو كانوا من كبار الصحابة، جماعة «الخوارج» التى يعتبرها كثير من المفكرين والعلماء أصل الإرهاب المتأسلم، ففكر الخوارج التكفيرى يعتبر النواة الأولى لجميع الفرق والجماعات الإرهابية التى اتخذت العنف سبيلًا للتغيير.

و«الخوارج» هم الذين خرجوا على سيدنا عثمان بن عفان (رض) ونتج عن خروجهم قتله، ثم فى خلافة سيدنا على بن أبى طالب (رض) زاد شرهم وانشقوا عليه وكفروه، وكفروا الصحابة لأنهم لم يوافقوهم على مذهبهم، وهم يحكمون على من خالفهم فى مذهبهم أنه كافر.

وينسب إلى الخوارج أيضا أنهم أول من استخدم الإرهاب الفكرى فى وجه مخالفيهم ثم قتالهم ثانية، وقد شابههم كثير من الجماعات الدينية المعاصرة، فقد استخدموا نصوص القرآن بطريقة مغلوطة وحاولوا فرضها على الجميع، ومن لم يوافقهم على هذا التفسير كفروه وقتلوه، ومن الأمثلة على ذلك استشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقول الله سبحانه: «إن الحكم إلا لله» فالمعنى المأخوذ من الآية صحيح فى الجملة، وأما على التفصيل فيحتاج إلى بيان.

ولذلك رد عليهم على بن أبى طالب بنفسه، حين قال لهم قولته الشهيرة: «كلمة حق أريد بها باطل»، لكنهم رفضوا الامتثال، بل وخرجوا بقواتهم عن جيشه وبدأوا فى قتاله فقاتلهم فى معركة «النهروان» وهزمهم، لكنهم لم يستسلموا وبدأوا فى حياكة المؤامرات حتى تمكنوا من قتل الخليفة الراشدى الرابع، وكانوا يدبرون كذلك لقتل معاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص وعدد من كبار الصحابة.

 

 

 

وللأسف الشديد، فقد امتلأ تاريخ الإسلام بسبب هذا الإرهاب الفكرى والانحراف فى التفسير والتأويل للنصوص الدينية بالكثير من أوجه الفتن والأزمات، ويكفى أن نعرف أن الخلفاء الراشدين الثلاثة الذين أعقبوا سيدنا أبا بكر تم اغتيالهم غدرًا، وأما الحسن والحسين ابنا سيدنا على، وحفيدا النبى فقد مات الأول مسمومًا، والثانى مقتولًا على النحو المروع الذى تذكره كتب التاريخ عن معركة «كربلاء»، بل ولم تهدأ الأمور بعد ذلك، بل إن وقائع التاريخ تشهد أن الكثير من خلفاء الدولة الأموية والعباسية إنما كان مصيرهم القتل على يد خصومهم، سواء فى مواجهات مباشرة أو من خلال مؤامرات.

وبالعودة إلى حركة الخوارج، فإن هناك العديد من كتب السيرة تشير إلى أن بذور هؤلاء الخوارج كانت فى عهد الرسول «صلى الله عليه وسلم»، فقد روى الإمام البخارى فى صحيحه عن الصحابى الجليل أبى سعيدٍ الخُدْرى أنه قال: بينما نحن عند رسول الله وهو يقسم قسمًا -أى يقسم مالًا- إذ أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بنى تميم، فقال: يا رسول الله اعدل! فقال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل. فقال عمر: يا رسول الله ائذن لى فيه فأضرب عنقه؟ فقال: دَعهُ، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم -أى من شدة عبادتهم- يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم -والترقوة هى العظمة الناتئة أعلى الصدر (أى يقرءون القرآن ولا يفقهونه)، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.. قال أبوسعيد: فأشهدُ أنى سمعت هذا الحديث من رسول الله، وأشهدُ أن عليًا بن أبى طالب قاتلهم وأنا معه.

 

 

 

جرائم خطيرة

وعلى مر التاريخ كان للخوارج جرائم خطيرة ومن ذلك  ما ذكره ابن كثير فى «البداية والنهاية» عن قتلهم لعبدالله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فقد أسروه وامرأته معه وهى حامل فقالوا له: من أنت؟ فقال: أنا عبدالله بن خباب صاحب رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وأنتم قد روعتموني.. فقالوا: لا بأس عليك، حدثنا ما سمعت من أبيك. فقال: سمعت أبى يقول نقلا عن رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشى، والماشى خير من الساعى»، فقادوه بيده، فبينما هو يسير معهم إذ لقى بعضهم خنزيرًا لبعض أهل الذمة، فضربه بعضهم بسيفه فشق جلده، فقال له آخر: لم فعلت هذا وهو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمى فاستحله وأرضاه. وبينما هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها فى فمه، فقال له آخر: بغير إذن ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، ومع هذا قدموا عبدالله بن خباب فذبحوه، وجاءوا إلى امرأته فقالت: إنى امرأة حبلى ألا تتقون الله عز وجل! فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها».

وتكشف تلك الواقعة مدى الانحراف الفكرى الذى يعانى منه هؤلاء، فهم يستكبرون إيذاء خنزير، ولا يتورعون عن ذبح أحد صحابة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وبقر بطن زوجته الحامل!

وقد اتسعت حركة الخوارج، وانتشرت فى العديد من المناطق الإسلامية، وفى مقدمتها منطقة العراق، التى كانت ولا تزال مسرحًا لظهور العديد من تلك الجماعات والحركات الإرهابية حتى يومنا هذا، وكان الخوارج أول من كفر المسلمين بالذنوب، ويكفرون من خالفهم فى بدعتهم، ويستحلون دمه وماله، وكان من بين أكثر جماعات الخوارج انحرافًا فرقة  «الأزارقة»، سموا بهذه التسمية نسبة إلى مؤسسها نافع بن الأزرق، اتصفوا بالغلو والتطرف، ومنها نظريتهم بأن جميع مخالفيهم من المسلمين مشركون، وإن من لا يسارع إلى دعوتهم واعتناق مذهبهم فإن دمه ودم نسائه وأطفاله حلال، وقد كفّروا على بن أبى طالب (رض) واعتبروا قاتله عبدالرحمن بن ملجم شهيدًا بطلًا.

وقد ارتكب أنصار تلك الفرقة الكثير من الجرائم، وأشاعوا الإرهاب فى الكثير من ربوع المسلمين، ومن ذلك مثلا خروجهم بقيادة سهم بن غالب الهجيمى والخطيم واسمه يزيد بن مالك سنة 46هـ، ونزلوا بالقرب من مدينة البصرة، وهناك أخذوا فى ارتكاب جرائم القتل، وكانوا يقتلون من يقول إنه مسلم ويتركون من يقول إنه من أى ملة كان، ففى أثناء ذلك الخروج مر بهم الصحابى عبادة بن فرص الليثى راجعا من غزوة، ومعه ابنه وابن أخيه فقال لهم الخوارج: من أنتم؟ قالوا: قوم مسلمون. قالوا: كذبتم. قال عبادة: سبحان الله! اقبلوا منا ما قبل رسول الله (ص) منى، فإنى كذبته وقاتلته ثم أتيته فأسلمت فقبل ذلك منى، قالوا: أنت كافر وقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه.

 

 

 

ووضع الخوارج نظاما متطرفًا فى الحكم والإدارة، هو قريب الشبه بالأنظمة المتطرفة التى تطبقها جماعات السلفية الجهادية  مثل «داعش» و«أنصار الشريعة و«أنصار بيت المقدس» و«القاعدة» يقوم على قتل كل من يخالفهم أو يشكون فى عدم ولائه لهم، فضلا عن المبالغة فى ارتكاب الجرائم ونشر صور الرعب والتخويف كنوع من الحرب النفسية.

ثورة الزنج

ولم يكن انهيار الدولة الأموية التى أنهكتها الحروب ضد الخوارج نهاية لجماعات الإرهاب، فقد تواصل ظهور تلك الحركات، ومن بينها ما شهدته الدولة العباسية إبان ما عرف بـ«ثورة الزنج»، ورغم أن تلك الثورة رفعت فى البداية شعارات اجتماعية مطالبة بحقوق الفئات المستضعفة، إلا أنها سرعان ما انجرفت نحو القتل والإرهاب، وقد تزعم تلك الحركة عام 255 هـ/ 869م شخص يدعى على بن محمد، وهو فارسى الأصل، وشخصية محيرة فعلًا فاتصف بأنه رجل طموح وموهوب، وظهر كشاعر فى بلاط الخليفة بسامراء، ثم ظهر كقائد دينى مدعيًا الانتساب إلى سيدنا على (رض) وقد أحلَّه أتباعه من أنفسهم محل النبى حتى جُبِى له الخراج، قبل أن يدعى لنفسه النبوة، وأنه «المهدى المنتظر»، والتزم فى العديد من مراحل حياته بأفكار الخوارج، رغم أنه سعى إلى مغازلة الشيعة والاستفادة من تأييدهم له.

وما يهمنا فى هذا السياق أنه استطاع أن يحشد إليه عددًا كبيرًا من الزنوج كانوا يعملون فى كسح السباخ بالقرب من البصرة، فأخذ يحرضهم على أن يثوروا معه على ساداتهم  بسبب سوء ما يلقون من المعاملة، ويعدهم بالتحرر من الرق وبالثروة، وأن يكونوا هم مالكين للعبيد، وأثرت فيهم دعوته، فاستجابوا لها واستولوا على الكثير من الأسلحة والثروات، وهزموا الجيوش التى سيرت لقتالهم، وبدأوا الهجوم على الكثير من البلدان المجاورة للبصرة، وحرروا من فيها من الأرقاء وضموهم إلى صفوفهم ثم نهبوها وأشعلوا فيها النار، وهاجموا عدة بلاد أخرى واستولوا على الكثير منها، وسيطروا تقريبًا  على جنوبى إيران والعراق حتى دقوا أبواب العاصمة بغداد نفسها، وفى عام 257هـ/ 871م استولى المهلبى قائد الزنوج على البصرة فدمرها عن آخرها، وذبح ثلاثمائة ألف من أهلها وسبى الجنود الزنوج آلافًا من النساء واسترقوا آلافًا من الأطفال البيض بعضهم من بنى هاشم أنفسهم، حتى لقد روت بعض الكتب التاريخية إنه أصبح لكل عبد زنجى عشر نساء علويّات شريفات كانت تباع فى الأسواق بدرهمين أو ثلاثة!

 

صورة متخيلة لعبدالرحمن بن ملجم الذى اغتال علي بن أبي طالب بعد الهزيمة في معركة النهروان
صورة متخيلة لعبدالرحمن بن ملجم الذى اغتال علي بن أبي طالب بعد الهزيمة في معركة النهروان

 

وبعد أن انتهى الزنج من البصرة هجموا على الكوفة ودمّروها، وقد أرسل الخليفة المعتز بالله جيشًا كبيرًا يضم خمسة عشر ألف مقاتل لقتال الزنج فدارت بينهم موقعة شديدة انهزم فيها العباسيون وقتل قائد الجيش فمثّل الزنج بجثته ورموها فى الفرات.. وظلت نار الفتنة مشتعلة ثلاثة عشر عامًا، سيرت خلالها عدة جيوش وفر من الزنج عدد كبير وحوصر من بقى، وانتهى الأمر بأن تغلب عليهم جيش الخلافة، وقُتل على بن محمد وحُمل رأسه إلى الوزير المنتصر، لتنتهى تلك الحركة، لكن تبقى جرائمها مسجلة فى التاريخ.

حركة القرامطة

ورغم ما ارتكبه الخوارج والزنج من إرهاب، فإن ذلك لا يقاس بالمقارنة مع ما ارتكبته جماعة إرهابية غريبة فى التاريخ الإسلامى، هى حركة القرامطة، التى تجمع بين العقائد الفاسدة، والسلوك الدموى، والجنون الذى لا يخطر على عقل، وقد ظهر  القرامطة بداية فى الكوفة بالعراق ومنها انتشروا إلى بلاد الشام واليمن واشتد عودهم أخيرا فى البحرين، وتمكنوا من جمع الأنصار تحت لواء من الشعارات الإسلامية الزائفة.

 

 

 

وينتسب القرامطة إلى حمدان بن الأشعث الملقب بقرمط لقصر قامته وساقيه وهو من الفرقة الإسماعيلية من خورستان رحل إلى الكوفة وتظاهر بالزهد والورع ودعا إلى إمامة أهل البيت فاعتنق مجموعة من الناس مذهبه، واستفحل أمرهم فى منطقة الكوفة فى عهد الخليفة المعتضد، حيث بنو لأنفسهم قرية فى الكوفة فى عام 277هـ وحفروا حولها خندقًا وبنو سورًا وسكنوا فيها وانشقوا عن الشيعة الإسماعيلية وأصبحت لهم أفكار خاصة منها إسقاط الصوم والصلاة عنهم وإباحة نهب أموال غيرهم، ثم بدأوا بسفك الدماء وقتل من خالفهم، وحاربهم الخليفة المعتضد وانتصر عليهم، ثم ظهر القرامطة بعد موت المعتضد بشكل أقوى وتطورت أفكارهم حتى أنهم أشركوا بالله وأنكروا النبوة وأركان الإسلام وأشاعوا الزنى، وابتدعوا الكثير من العادات التى كانت موجودة فى الديانات الفارسية القديمة، ويقول الإمام أبوحامد الغزالى إن أفكار القرامطة هى تطوير للعقائد الفارسية القديمة فهى خليط من المجوسية والألحادية والزرادشتية.

وقد ركّز القرامطة فى دعوتهم على الموالى والعبيد الحاقدين على أسيادهم والأُجراء والمزارعين الناقمين على أصحاب المهن والأراضى، ولكى يستقطبوهم ابتدعوا فكرة إشاعة المال وشيوعيّة الأراضى، وكذلك بثّوا وبقى عندهم العنصر الرئيسى ألا وهو الشباب، الوقود الأساسى لكلّ تمرّد وثورة.. ووجدوا أن خير أسلوب لجذبهم هو بثّ الفكر الانحلالى وجذبهم بالشهوات.. فاستباحوا الزنى والخمر واللواط وسائر المحرّمات، وجعلوا النساء مشاعًا بينهم، وأباحوا نكاح الأقارب من أخوات وبنات وما شابه، ورغم الاختلاف فى التفاصيل، لكن يبقى المبدأ متشابهًا مع ما تقوم به التنظيمات المتطرفة حاليًا مثل داعش وغيره من اجتذاب للشباب، بإثارة الشهوة للنساء والأموال والسلطة، وتغليفها بغطاء دينى مثل جهاد النكاح وغيره.

وتعددت جرائم القرامطة على مدى القرنين اللذين استغرقتهما حركتهم، لكن أخطر تلك الجرائم الجنونية هى هجومهم على مكة المكرمة، وقتلهم لحجاج بيت الله الحرام وسرقتهم للحجر الأسود، فقد هاجم قرامطة البحرين  عام 317 هـ بقيادة سليمان أبوطاهر القرمطيّ مكة المكرمة فى موسم الحج، وقتلوا نحو ثلاثين ألفًا من أهل مكة ومن الحجاج وسبوا النساء، وخلعوا باب الكعبة، وسلبوا كسوتها، واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه، وحملوه إلى بلادهم، وأعملوا السلب والنهب فى مكة، وعادوا إلى البحرين يحملون الحجر الأسود حيث أبقوه عندهم نحو اثنتين وعشرين سنة، ثم أعادوه إلى مكة.

ويحكى ابن كثير تفاصيل مرعبة عن تلك الجريمة فيقول أن القرامطة قتلوا فى رحاب مكة وشعابها وفى المسجد الحرام وفى جوف الكعبة من الحجاج خلقًا كثيرًا، وجلس «أبوطاهر» على باب الكعبة والرجال تُصرع حوله والسيوف تعمل فى الناس فى المسجد الحرام، وكان ينشد:

أنا بالله وبالله أنا/يخلق الخلق وأفنيهم أنا

وكان الناس يفرون من القرامطة فيتعلقون بأستار الكعبة فلا يجدى ذلك عنهم شيئًا، بل يُقتلون وهم كذلك ويطوفون فيُقتلون فى الطواف. فلما انتهى «أبوطاهر» من تلك المذبحة فى جوف الكعبة أمر أن بدفن القتلى فى بئر زمزم، ودفن كثيرًا منهم فى أماكنهم من الحرم وفى المسجد الحرام، وهدم قبة زمزم وأمر بقلع الكعبة ونزع كسوتها عنها وقسمها بين أصحابه، واستولى على الحجر الأسود حيث تم تقسيمه إلى قطع وبقى عندهم اثنين وعشرين عاما قبل أن يتدخل الخليفة الفاطمى فى مصر ويجبرهم على رده إلى مكة.

 

 

 

وكانت نهاية القرامطة فى عهد المستنصر عام470هـ فى موقعة  سُميت الخندق حيث تم القضاء على واحدة من أخطر جماعات الفوضى والإرهاب فى التاريخ الإسلامى بعد نحو قرنين من الزمن، أشاعوا فيها الرعب والخراب.